الشيخ السبحاني
48
مفاهيم القرآن
وبذلك يكشف شأن نزولها عن أنّ الأمر الموصوف بالفطرية والمنعوت بكونه جبلياً هنا ليس هو « الاعتقاد بوجود اللَّه » بل هو « الاعتقاد بوحدانيته » كما لا يخفى . الجواب : ويمكن الإجابة على هذا الاعتراض بجوابين : 1 . أنّ هذا الكلام - لو صح - إنّما هو صادق بالنسبة للآيات التي تتحدث عن حالة راكبي الفلك « 1 » حينما تعتريهم الأمواج الطاغية فيتوجهون - في غمرة الخوف والانقطاع - إلى اللَّه فيما يتوجهون في غير هذه اللحظات إلى معبوداتهم وآلهتهم المزعومة المصطنعة مشركين ، حائدين عن جادة التوحيد . وأمّا تلكم الآيات التي تصف أُصول التعاليم الدينية بالفطرية ، وتعتبرها أُموراً نابعة من صميم ذاته ومنطبقة مع جبلته ، ومقتضى خلقته فخارجة عن مجال هذا الكلام والاعتراض . ففي هذه الآيات الأخيرة لم يعتبر التوحيد فقط أمراً فطرياً جبلياً بل اعتبر العلم بالمحسنات والمقبحات والعلم بالتقى والفجور كما في قوله تعالى : « فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا » « 2 » أو العلم بالدين كما في قوله : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ » « 3 » أقول : اعتبر العلم بهذه الأُمور فطرياً .
--> ( 1 ) . يونس : 23 ، والعنكبوت : 65 ، لقمان 32 ، والإسراء : 67 . ( 2 ) . الشمس : 8 . ( 3 ) . الروم : 30 .